الشيخ محمد هادي معرفة
83
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ » . « 1 » والإدراك المقرون بالبصر يعني النظر بالعين ، كما أنّ الإدراك بالقلب عرفان نفسي مجرّد . وبما أنّ الآية مدح بشأن من الشؤون الكلّية الإلهية ، فدلالتها على تأييد النفي واضحة ، ولا سيما بتلك الصيغة العامّة . وأمّا الآيات التي استشهد بها الأشعري ، فإنّ لها تأويلات صحيحة ومعقولة لم يعرفها أصحاب الحشو ، وإليك بإيجاز : 1 - أمّا الآية الأُولى : « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ » « 2 » فإنّها مسوقة لبيان الحصر ، نظرا لتقديم الجار . فهي تصف موقف المؤمنين في ذلك اليوم الرهيب ، أنّهم على رغم أهواله الجسام مسرورون مبتهجون ، ليس لشيء إلّا لأنّهم منصرفون عن غيره تعالى ، ومتوجّهون بكلّ وجودهم إلى اللّه ، تحقيقا لقوله تعالى : « إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ » . « 3 » فلا نظر منهم إلّا إليه سبحانه ، وقد صار علم يقينهم عين يقين . وانكشف لهم من أسرار الملك والملكوت ما كانوا يعلمونه بالدلائل والآيات . والنظر إلى كذا ، لا يختصّ بمعنى تحديق العين إليه ، بل يستعمل بمعنى القصد إليه وكمال التوجّه إليه أيضا ، كما يقال : إنّ هذه القصيدة تنظر إلى قصة كذا ، أو أنّ هذه الآية تنظر إلى مناسبة كذا . أي تهدف في مضمونها . وهكذا يقال : نظري إليك ، أي رجائي منقطع عمّن سواك ، كقول الشاعر : وإذا نظرتُ إليك من مَلِكٍ * والبحر دونك جُرتني نعما وقال آخر : إنّي إليك لما وعدت لناظر * نظر الفقير إلى الغني الموسر ولم يقصدا سوى الرجاء والتوجّه بكلّ وجودهما ، لا بالجارحة . قال جاراللّه الزمخشري : سمعت سرويّة مستجدية بمكة وقت الظهر ، حين غلق الناس أبوابهم وآووا إلى مقائلهم ، تقول : « عُيَينتي نويظرة إلى اللّه وإليكم » تقصد راجية
--> ( 1 ) - الأنعام 103 : 6 . ( 2 ) - القيامة 22 : 75 - 23 . ( 3 ) - البقرة 156 : 2 .